ايام من الدهر لن انساهن مادامت هناك ذاكره صالحه للعمل فقد صحيت ذلك اليوم كعادتي باكراً وذهبت الى عملي في ركن حافة العجائز وكان كل شي يبدو طبيعياً ولم اكن اعلم ان هناك كارثة قادمة واعصاراً من صنع البشر مدمراً يتجه الى منطقة الفتح في التواهي سيعصف بعدن واهلها وسيزلزل كيان من كانوا يحكموننا او يبهذلون بنا

 

وفجأة رأيت جاري الغالي جواد قباطي المخرج في تلفزيون عدن مهرولاً متجهاً الى منزله وهي ليست عادته وبحكم طباع اهل عدن الطيبين استوقفته لاعلم ماسبب هذا الاستعجال فقال لي انهم سمعوا اطلاق رصاص وهو في مبنى التلفزيون وكان اطلاق رصاص يعني حدث كبير قادم فالاخبار المسرّبه من كواليس الحزب الاشتراكي قبل يومين يفيد ان تصعيد الخلاف بين فصيل عبدالفتاح وعلي عنتر وبين فصيل علي ناصر قد بلغ اوجه .  كما انه في ذلك الزمن لم يكن قد استكمل انتاج فصائل الفتنة في العالم من مختبرات المخابرات الامريكيه بانهاء الحقبه الاشتراكيه والاستقرار العالمي واستبداله بالاسلام السياسي ممثلاً بفصائل طالبان والقاعده واخيراً داعش والله يعلم ماهو القادم

وبحكم خبرتي بالاوضاع السياسيه والتهور اللاأخلاقي للسياسيين تبلورت امامي مشاهد ماهو قادم من اقتتال وحرب اهليه فقمت مباشرة بالتهاتف مع البيت لاعلمهم بالتمون باكبر كمية من الماء ممكنه وذهبت انا الى سوق الخضار واللحوم واشتريت مايمكن شراؤه وتوجهت الى البيت وكان الشارع طبيعياً إلاّ العارفون

وعند مروري من محكمة عدن رأيت احد اصدقائي من القضاه لااستحضر اسمه الآن واقفاً في انتظار من يأخذه إلى منزله في خورمكسر فاخذته وعندما سألته كان مذهولاً لأنه لم يستوعب ماقيل له كما انه لم يتصور الحدث وفي الطريق ملأت خزّان السياره بالبترول تحسباً لاستعماله وفي الطريق اخبرني القاضي إنه يريد الذهاب الى بيت اخته بجانب المطار فأخذته عبر زغاطيط وشوارع حي السعاده ومعسكر جمال وهناك رأيت التوتر واضح امامي في المارّه وكل من يدب فوق الارض

وعند وصولي الى البيت كان الراديو يعلن ان هناك بياناً هاماً سيصدر وبدأنا نسمع زخّات من الرصاص بين الحين والآخر وبعض الانفجارات البعيده فطلعت الى سطح منزلي  لأرى مالذي يحدث ولكنني آثرت النزول حرصاً مني على السلامه

توالت الاحداث والاخبار وفي حوالي الساعه 12 ظهراً سمعت طرقاً على الباب فوجدت حراسة  جاري سالم صالح محمدامامي واخبروني بكل شي واستأذنوني بالانتقال الى منزلي لانهم علموا ان منزلهم مستهدف فوافقت شريطة ان ينتقل النساء والاطفال فقط ومنعت دخول السلاح والمسلحين لسلامة الجميع

وفي الثانيه ظهراً صدر البيان لماحدث ثم بدأت الانفجارات تتوالى وصوت الرصاص لايتوقف وعندما تشتد الاحداث نختبئ في غرفة اراها اكثر اماناً من الاخريات وهكذا جاء الليل وجاء معه الويل وبدأت النسوان في اظهار خوفهن وبينما كنت اتظاهر انني “عنتر افندي” ولكنني كنت في الواقع ارتجف من الداخل . وفعلاً كان تصرفي سليماً في الاستعداد بالاكل والماء .  مرّت على حالنا يومين والامور تتعقد واذاعة “هنا لندن” وجدت ضالتها في تشريح الاوضاع وضاعت الحقيقه امامنا فلم نكن ندري مايصير بالضبط

وفي اليوم الثالث ابلغتني زوجة سالم صالح انهم قرروا الذهاب الى يافع ورتبّوا ذلك وعرضوا علينا مرافقتهم لان معلوماتهم تقول انه ربما  يتم القصف على ساحة العروض بجانب بيتنا وان منزل سالم صالح مستهدف ولهذا كنا نحن في مرمى الخطر ولكنني رفضت شاكراً وفضّلت البقاء مع اسرتي حيث مانحن وتحت حراسة الله ورعايته.  في المساء اشتّدت الاحداث وبدأت النسوان التململ وقررن النزوح من المنزل الى كريتر اوالمعلاّ حيث يتواجد البعض من الاهل ولكن كيف عمل ذلك والطريق غير آمن؟؟؟

وكحل وسط وتنفيذاً للمثل القائل “الموت مع الناس رحمه” قررت النزوح ظهر اليوم التالي الى منزل المرحوم العم حسن عبده باهارون الذين رحبوا بنا احسن ترحيب واكتشفت انه عندهم شحة في الماء فاخبرتهم انه في بيتي الماء الوفير ولكن كيف الوصول اليه ؟؟؟ ونظراً للحاجه قررنا “المسابله” اي المغامره والذهاب الى البيت مرة اخرى لاحضار ماتيسر من الماء . الغريب ان العم حسن كان في اقصى درجات الاطمئنان وهذا من علامات الايمان الراسخ وكان رحمهالله  مبتسماً مرحباً بي ويكيل من تلك النكات والذكريات وفجأة تذكر واخبرني انه لديه قات في الثلاجه وعرض اننا نخزن ونخليها على الله وهكذا بدأنا التخزينه هروباً من واقعنا المرير “الذي لاناقة لنا فيه ولاجمل” وخلال التخزينه سمعنا اذاعة لندن تقول ان القتال شرس وان مدينة خورمكسر التي نحن في قلبها صارت مدينة اشباح وان الجثث مرمية في الشوارع والوضع سيئ جداً .  عندها التفت اليّ العم حسن رحمه الله وقال لي ” يامحمد يظهر اننا متنا وهذه مجرد ارواحنا مخزنه” فقد كان رحمه الله مرحاً مبتسماً بالرغم من الاهوال التي تعّرض لها في حياته واستمرتخزينتنا بينما الرفاق يقتل بعضهم البعض بوحشيه

وكنا نتواصل مع كل من نعرفه بالتلفون والذين اخبرونا ان المعلاّ وكريتر هادئه وظهر في الافق الأمل باعلان الهدنه لاجلاء الاجانب وكانت السفاره البريطانيه بجانبنا تجلي الرعايا الاجانب بواسطة اليخت الملكي كما ان موظفي مستشفى الجمهوريه عملوا مسيرة من خورمكسر الى المعلاّ تطالب بوقف الاقتتال فوجدناها فرصة للانضمام الى المسيره والموت مع الجماعه رحمه

وصلنا المعلاّ برحلة مخيفه وخطره فشعرنا بالاطمئنان ونحن في منزل المرحوم محفوظ باذيب في المعلا دكه ولكن هذا الاطمئنان لم يدم فقد انتقلت المعارك الى المعلا واشتدت مما يجعلنا نقرر الانتقال الى كريتر على الارجل وهكذا كالبدو الرّحل انتقلنا الى كريتر وفي العقبه حيث فرز الناس بين هذا الفصيل وذاك فطلبوا مننا بطائق الهويه التي لم تكن بحوزتنا وبدون تردد تم فصلي من الاسره على اساس ترحيلي للمعتقل وعندها ارسل اللهمن ينقذنا ويعرفنا ويوافق على دخولي كريتر فحمدت الله اذ كنت على وشك ان اصير شهيداً

وفي كريتر نزلت عند المرحوم العم سالم عمر باعبيد الذي احسن ضيافتي وكان المرحوم قمة في المرح وذاكرته عن الماضي لاتتوقف وسرد الذكريات الجميله هي خير مؤنس لنا في محنتنا  ولم يكن العائق الوحيد سوى تواجد الماء ومع مرور الايام هدأت الامور ولله الحمد

لم اتطرق في موضوعي السياسه وانما كان سرد للمعاناة الشخصيه واحمد الله على كل حال رحم الله موتانا واعان الله الاحياء على ماهم فيه من معاناة بتهور السياسيين