عندما كنت في صنعاء في مثل هذه الايام رأيت احد مسلحي انصار الله وكأنه معسكر متحرك وعلى محيّاه كل التعبيرات القتاليه الشرسه بالرغم ان الوضع كان هادئاً كما كانت احدى وجنتيه توشك ان تنفجر لكمية القات المخزون في فمه فوقفت وسألته لماذا هذا كله واعني الاسلحه التي كان يحملها وخاصة اننا في هدؤ وامان فقال لي “ياوالد انت ماتعرف اننا في ثوره؟ ْولاتكثر بالهدره اسرح احسن لك” وبما انني “بينيان” المسْلَك “واخاف من عومتي” كما يقول المثل عندنا فقد طأطأت راسي وانسحبت من المشهد وبل انسحبت من اليمن كلية لانني رأيت الشر في العيون وتوقعت الانفجار في اية لحظه

وفي طريق عودتي استعرضت حياتي واكتشفت ان حياتي كلها مليئه بالثورات فنحن ماننتهي من ثوره الاّ تتبعها ثورة اخرى وهلمُ جراً على قول سيبويه وندخل من ثوره الى ثوره ومسلسلات دمويه لاتنتهي واحب اسرد ما اذكره

ابتدأت تلك الثورات باضرابات مجالس العمال ثم ثورة حرب العدوان الثلاثي على مصروماتبعته من مظاهرات القوميه العربيه وطرد ونهب التجار اليهود من عدن وهذه لاتوجد في ذاكرتي الاّ خيالات

ثم جاءت تمشي رويداً ثورة 26 سبتنبر وتلتها ثورة 14 اكتوبر وماتلتها حرب الملكيه والجمهوريه في الشمال وتدخل الاخوان المصريين “بغباء” في المستنقع والوحل اليمني لانقاذ الجمهوريه فكان من نصيبهم القتل ودمار لجيشهم وافساد مسؤوليهم مما تسبب في هزيمتهم وهزيمة العرب في حرب الستة الايام او “النكسه” حسب توصيف عبدالناصر

وقبيل الاستقلال للجنوب دارت حرب فصيلي “التحرير والقوميه” في عدن ثم تلته الارهاصات الثوريه حسب قول زميلي التاجر الثوري جمال عبدالرحمن واعتقال اول رئيس للجنوب واغتيال نائبه

الفوضى الخلاّقه في عهدالارياني (على فكره اليمن اول من ابتكر سياسة الفوضى الخلاقه) وماتبعه عودة الجحافل الملكيه الى كرسي الحكم في صنعاء ولكن تحت مسمى الجمهوريه وسبحان الله الذي علّم الانسان مالم يعلم من اسماء ومسمّيات وشقلبة معانيها

وعندما سنحت الفرصه للحمدي في شمال الوطن انقض على حكم الارياني آملاً ان ينهي تلك الفوضى ونسي انه من المستحيل ذلك لان اليمن هي مَصْدَر الفوضى في عالمنا العربي ولحسن الحظ فقد كانت ثورة الحمدي بدون اراقة دماء وكان عهده عهدالرخاء للشمال لتدفق اموال العمال اليمنيين في السعوديه بينما حكام الجنوب يستمتعوا باستعراض عضلاتهم على شعبهم المسكين ثم اراد سالمين ان يصحح اوضاع الجنوب فتمت تصفيته في الحكايه الشهيره وتلاها اغتيال الحمدي على يد عصابات القبيله الرافضه للتقدم والتطور

وتبعه العهد القصير للرئيس الغشمي ذو الشنبات الهتلريه الذي لم يستمتع بالجلوس على كرسي الحكم فتمت تصفيته وفي نفس الفترة تخلّص الرفاق في الجنوب من سالمين الذي كان يستبدعلى الجميع ودخلت صنعاء في شرك الحكم السرطاني بقيادة علي عبدالله صالح الذي ربط الشمال بالمافيات العالميه   وبالرغم من انه خلال حكمه ظهر البترول وتصديره إلاّ اننا لاحظنا دخول الدين كعامل مؤثر رئيسي في اللعبه السياسيه وغيرها من فتن بدأت تعصف بالعالم العربي انتهت بالفتنة الكبرىالمسماة من قبل الاستخبارات الدوليه بالربيع العربي تيمناً بربيع براغ وغيره

وفي الجنوب بدأ عهد علي ناصر محمدالذي إتسّم بالهدؤ الثوري ومحاولة الانفتاح على الداخل وعلى الخارج والذي كان يضر  بكثير من مصالح الرفاق فتعرض حكمه لكثير من المنغّصات وانتهى حكمه بموقعة13 يناير التي دارت رحاها في عدن والتي عصفت بالحزب الاشتراكي واضعفته ونشرت بذور الفتن بين ابناء الوطن الواحد وانتهت تلك الموقعه بقتل جهابذة الحزب وهروب علي ناصر واعوانه  الى الشمال وبدء حكم التحالف الحضرمي الضالعي بقيادة علي البيض ومابقي من قيادات الحزب الضعيفه المختلفه في نهجها مما ادخل الجنوب في فشل اقتصادي واجتماعي .  وصادفت هذه الاوضاع بوادر تفكك المنظمه الاشتراكيه العالميه مما اغلق الابواب امام حكام عدن الجدد

ولم يكن امام علي البيض الاّ دغدغة مشاعر الناس والنفاذ بجلودهم بالارتماء في احضان الوحده مع شمال علي عبدالله الذي كان ايضاً يبحث عن منقذ له من الضغوطات الاقتصاديه والاجتماعيه …. فكانت الوحده اليمنيه بين نظامين فاشلين مفلسّين وقامت تلك الوحده بدون دراسات وبدون خطط سوى تثبيت حكم مسؤولي الدولتين ومحو كل سلبيات وسرقات السنوات التي سبقتها واستفادت قيادات الحزب الاشتراكي بالسطوعلى بيوت الناس والدوله وبقانون تمليك هزيل  صاغه السارق نفسه بالاضافه الى الاستئثار بالبيوت والسيارات التي وزعها علي عبدالله كطعم لشراء ذمم الجنوبيين القادمين من عدن والجنوب ونجح في ذلك

ودارت السنوات الاربع الاولى بعد الوحده تتأرجح بين الشد والجذب وبين الهدؤ والاغتيالات الداخليه واوكل علي عبدالله موضوع الاغتيالات لحزب الاصلاح “الجناح الديني” وهكذا عاش الوطن شماله وجنوبه مابين تخطيط  “علي” الاشتراكي القومي العربي وبين “علي” الآخر المسنود بالقبيله والاسلام السياسي

كانت ابرزغلطات البيض واغلاطه كثيره هي الاستبداد برأيه وعدم التقرب الى المجاميع الاخرى من الجنوبيين مما اوسع الجفوه بين كل تيارات الجنوب وكانت لعبة “علي” القبيلي انجح وكان الاذكى في كسب الجناح المطرود من حضيرة البيض السياسيه بما فيهم القيادات العسكريه الى ان تدخلت الاردن بملكها الحسين بن طلال وتم التوقيع على وثيقة العهدوالاتفاق في الاردن بمهرجان اعلامي كبير والتي بعدها عاد البيض ليعتكف في عدن معلناً رفضه العوده الى صنعاء بينما استمر علي عبدالله في خطته للتجهيز لحرب قادمه بغربلة تواجد الجيوش “المندمجه على الورق” وليس في الواقع وبشراء القيادات العسكريه والسياسيه الجنوبيه

وجاءت الكارثه الكبرى في صيف 94 عندما انفجرت الحرب بين صانعي الوحده – بين جهة استعدت كامل الاستعداد للحرب وبين جهة اخرى تائهه وغير منظمه وبل غير مترابطه وهنا برز نجم عبدربه منصور هادي الذي ادخل قوات علي عبدالله الى عدن معلناً انتهاء حكم البيض ورفاقه وانتهاء حكم الحزب الاشتراكي اليمني فهرب البيض وقتل من قتل واختفى من اختفى وهكذا الايام نداولها بين الناس…… ونلتقي في الحلقه الثانيه

اليمن ينزفوندسور في 6 يناير 2016 …  محمد جبر