images download (1)

جمعتني سهرة الاسبوع الماضي بشاب مثقف من المكسيك وبعد بروتوكول التعارف وبعدما عرف انني قادم من اليمن سألني إن كان يوجد لدينا “شقيقة” في اليمن مثلما يوجد لديهم “شقيقه” في المكسيك.  في البدء ادهشني السؤال حيث انني لم استحضر مغزى سؤاله. وذهب بالي الى المرض الشهير والصداع والالآم المبرحه التي تصاحبه وحيث انه لا يوجد علاج لهذا الداء المزعج إلاّ المهدئات . 

شرح لي صديقي المكسيكي ان شقيقتهم الكبرى في المكسيك هي الولايات المتحدة الامريكية.  فمنها تأتي كل مشاكل المكسيك ومنها تأتي الحلول .  شرح لي تاريخ المكسيك الحديث لنيل الاستقلال بدء من صرخة الاستقلال التي أطلقها الأب الوطني «إيدالغو» حتى استقلت المكسيك على يد الجنرال إيتوربيدى بالتعاون مع الحركة الثورية التي كان عاقدا العزم على تصفيتها لولا ظروف الثورة الإسبانية عام 1821، وكيف أن هذا الرجل تم تعيينه إمبراطورا على البلاد لأشهر قليلة ليجري عزله بعد اتفاق بين جيشه والجيش الثوري بقيادة الجنرال «سانتانا» الذي كتب القدر على المكسيك أن تعاني على يديه الانتكاسة تلو الأخرى إما بسبب جهله السياسي أو ضيق أفقه، ولكن في كل الأحوال، فإن المستعمر الإسباني ترك المكسيك لأهلها وهي في حالة يرثى لها ومطمعاً لمستعمرين جدد. 

فالاقتصاد المكسيكي عشية الاستقلال كان في حالة يرثى لها بعدما انخفض المنتج الزراعي للنصف بسبب حرب الاستقلال، في حين ارتفع عجز الموازنة لقرابة 40%، إضافة إلى عبء دين خارجي كبير، فضلاً عن فشل تام في تنفيذ القوانين الإصلاحية، إضافة إلى مشكلات حدودية في الشمال والجنوب، وصراعات طبقية بين الإسبان الباقيين والمكسيكيين من أصول إسبانية والمخلطين والهنود والعبيد.  ودفع الحظ بالجنرال “سانتانا” ليكون رئيسا للمكسيك لإحدى عشرة مرة خلال هذه الحِقَبْ، كان خلالها يبدو كالمنقذ ولكنه في الواقع كان يجر المكسيك من نكسة الى نكسة أكبر.

 واهم تلك النكسات كانت هزيمة الجيش المكسيكي بقيادة سانتانا من قبل جيش الولايات المتحدة الامريكية حيث استطاعت الجيوش الأميركية السيطرة على مدينة مكسيكو سيتي وفرضت على الدولة المكسيكية التوقيع على اتفاقية «جوادالوبي» التي أرغمت المكسيك على التنازل عما يقرب من 890 ألف ميل مربع من أراضيها لصالح الولايات المتحدة مقابل 15 مليون دولار أميركي، وهي المساحة التي ضمت ولايات نيومكسيكو وكاليفورنيا وتكساس.

منذ استقلالها حتى عام 1850 شهدت المكسيك 50 حكومه متنوعه مما شجع ظهور تيار ليبرالي يطالب بالانقضاض على الكنيسة واصولها وفتح الحريات وإقامة دولة فيدراليه اسوة بالولايات المتحده الامريكيه مما ادخل البلد في حروب اهليه بين المحافظين والليبراليين وصارت المكسيك مرة اخرى مرتعاً لصراع المصالح الاجنبيه الامريكيه والاوربيه مما ادى الى تنصيب امبراطور موالياً لاوروبا ثم ازاحته واعدامه بعد دعم الولايات المتحده الامريكيه لليبراليين والذي يستمر الى يومنا هذا ولكن على حساب كرامة وأراضي المكسيك. مما جعل قائد الثورة المكسيكية يقول بعد ذلك جملته الشهيرة التي عكست أحوال المكسيك “مسكينة هي المكسيك.. بعيدة عن الله، وقريبة من الولايات المتحدة “

هذا التاريخ الموجز للمكسيك يشبه الى حد ما تاريخ اليمن وعلاقتها “بالشقيقه الكبرى” المملكه العربيه السعوديه .  فالسعوديه هي مصدر شقاء لليمن .  وهي ايضاً مصدر سعادته.  فكلما احتاجت السعوديه لمزيد من الاراضي خلقت المزيد من المشاكل وماعلى اليمن التنازل ثم التنازل عن اراضيها.  

معظم اليمنيين يحلموا بالسفر والعمل في السعوديه مثلهم مثل المكسيكيين الذين يحلمون بالهجره الى الولايات المتحده الامريكيه وسجون الولايات المتحده مثلها مثل سجون السعوديه مليئه بالمهاجرين الغير شرعيين كما ان حدود المكسيك وحدود اليمن مليئه بالمرّحلين من الشقيقتين الكبرى

وهذا غيض من فيض

محمد جبر

وندسور 22 نوفمبر 2013